تأمّل

الرجاء الذي لا يخيب

الرجاء المسيحي ليس أمنية عابرة، بل يقين مبنيّ على المسيح الحيّ وعلى محبة الله التي انسكبت في قلوبنا. تأمّل في رومية 5:3-5.

صارت كلمة «رجاء» في كلامنا اليومي كلمة هشّة. نقول «أرجو أن يحدث» عن أمنية لا نملك ضمانًا لها، فنتمنّى ولا نتيقّن. لكنّ الرجاء الذي يتحدّث عنه بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية من نوع آخر: يقين راسخ، مبنيّ على شخص حيّ وعلى وعد لا يتغيّر.

واللافت أنّ الآية تأتي في سياق الضيق لا الراحة:

وَلَيْسَ ذَلِكَ فَقَطْ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا فِي الضِّيقَاتِ، عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا، وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً، وَالرَّجَاءُ لَا يُخْزِي، لِأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا.

رومية 5:3-5

فالرجاء هنا ليس نقيض المتاعب، بل ثمرة يُنضجها الله في حياة المؤمن من خلالها. فكيف يحدث ذلك؟

رجاؤنا ليس تفاؤلًا، بل يقين

الفرق بين التفاؤل والرجاء المسيحي هو الفرق بين التمنّي والثقة. التفاؤل شعور يتبع الظروف والمزاج، فإذا اشتدّت الظروف تلاشى. أمّا الرجاء الكتابي فيقف على أرض صلبة: على شخص المسيح نفسه.

مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الْأَمْوَاتِ.

1 بطرس 1:3

لاحظ الوصف: «رجاء حيّ». ليس فكرة جميلة، بل حياة تنبع من قيامة حقيقية. ولأنّ المسيح قام من الأموات، فرجاؤنا لا يذبل ولا يشيخ. الرجاء المسيحي لا يعتمد على ما نراه، بل على مَن نعرفه.

لماذا لا يخيب هذا الرجاء؟

يعطينا بولس الجواب في الجزء الثاني من الآية، وفيه ثلاث حقائق:

  • محبة الله لنا، لا محبتنا نحن لله. مصدرها الله لا الإنسان، ولذلك لا تتوقّف على أدائنا، ولا تنقص حين يضعف إيماننا.
  • قد انسكبت. الفعل في الأصل اليوناني (ἐκκέχυται) يدلّ على سكب غزير تمّ وما زال أثره قائمًا. لم يعطنا الله محبته بالقطّارة، بل سكبها فينا بسخاء.
  • بالروح القدس المعطى لنا. الله نفسه يسكن في المؤمن ويشهد له بمحبته، فالشاهد على هذه المحبة هو الله، لا مشاعرنا المتقلّبة.

فرجاؤك لا يقوم على مشاعرك اليوم ولا على ظروفك ولا على قوّة إيمانك، بل على ما صنعه الله في المسيح، وهو أمين أن يكمّله.

الرجاء في الغربة والألم

ربما تعيش بعيدًا عن بلدك وأهلك، أو تحمل خسارة لم يعرف بها أحد، أو تعبت من انتظار طويل. وقد تصلّي فتبدو الأبواب مغلقة، فيصير الرجاء كأنه شيء بعيد عنك.

اسمع ما كتبه كاتب سفر المراثي وهو يبكي خراب أورشليم:

إِنَّهُ مِنْ إِحْسَانَاتِ الرَّبِّ أَنَّنَا لَمْ نَفْنَ، لِأَنَّ مَرَاحِمَهُ لَا تَزُولُ. هِيَ جَدِيدَةٌ فِي كُلِّ صَبَاحٍ. كَثِيرَةٌ أَمَانَتُكَ.

مراثي إرميا 3:22-23

كلمات كُتبت وسط الأنقاض. فالرجاء المسيحي لا يحتاج إلى أن تكون الأمور على ما يرام كي يثبت. حين تخذلنا الأشياء والناس، يبقى الله أمينًا. والضيق الذي تمرّ به اليوم ليس نهاية القصة، فالله قادر أن يستخدمه، كما يقول بولس، لينشئ فيك صبرًا وتزكية ورجاءً ثابتًا.

ماذا يصنع الرجاء في حياتنا؟

الرجاء الكتابي ليس مجرّد طمأنينة داخلية، بل قوّة تعيد تشكيل حياة المؤمن. حين نثق برجاء المسيح:

  • نصبر أكثر، لأننا نعلم أنّ الألم مؤقّت وأنّ الله لم يتركنا.
  • نحبّ أكثر، لأنّ من امتلأ قلبه بمحبة الله يفيض بها على غيره.
  • نخدم بلا ملل، لأنّ تعبنا في الرب ليس باطلًا.
  • نتكلّم عن المسيح بثقة، لأنّ الرجاء الذي فينا ليس وهمًا نخجل منه.

تطبيق عملي

  1. خذ لحظات كل صباح لتتأمّل في هذه الحقيقة: «محبة الله قد انسكبت في قلبي بالروح القدس». لا تكرّرها فقط، بل صدّقها.
  2. اكتب على ورقة موقفًا واحدًا رأيت فيه أمانة الله في الماضي، وضعها حيث تراها كل يوم.
  3. فكّر في شخص يمرّ بوقت صعب، وتواصل معه لتشجّعه وتصلّي لأجله. الرجاء يكبر حين نتشاركه.
  4. اختر أمرًا واحدًا تشعر أنك فقدت فيه الرجاء، وضعه أمام الله في الصلاة كل يوم هذا الأسبوع.

وإن أردت أن يصلّي أحد معك، يسعدنا أن نصلّي لأجلك، أو أن نلتقيك في اجتماعنا الأسبوعي مساء كل أربعاء.

صلاة

يا أبانا السماوي، أنت إله الرجاء. حين تنكسر قلوبنا وتضعف نفوسنا، ذكّرنا أنّ محبتك قد انسكبت فينا بالروح القدس. ثبّت ثقتنا بك، وعلّمنا أن نتمسّك بك في الضيق، ونشهد لك في الفرج. نشكرك لأنّ رجاءنا حيّ لأنّ المسيح حيّ. باسم يسوع المسيح نصلّي. آمين.

  • العبرانيين 6:19: «الَّذِي هُوَ لَنَا كَمِرْسَاةٍ لِلنَّفْسِ مُؤْتَمَنَةٍ وَثَابِتَةٍ…»
  • مزمور 42:11: «لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟ وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ تَرَجَّيِ اللهَ…»
  • رومية 15:13: «وَلْيَمْلَأْكُمْ إِلَهُ الرَّجَاءِ كُلَّ سُرُورٍ وَسَلَامٍ فِي الْإِيمَانِ، لِتَزْدَادُوا فِي الرَّجَاءِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ.»
  • مراثي إرميا 3:24: «نَصِيبِي هُوَ الرَّبُّ، قَالَتْ نَفْسِي، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْجُوهُ.»

كل العظات والتأمّلات

مرحباً · Welcome · Bi xêr hatî · خوش آمدید